الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

372

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لا يؤمنون بهم ، وإنما مفهوم الكلام رفض هؤلاء دعوة الرسل في أنهم مبلغوا رسالات الله من الأساس ، حيث حملوهم على الكذب والادعاء . ( ذلك فإن جملة بما أرسلتم به هي للإستهزاء أو السخرية ، أو أن يكون المقصود بها هو : طبقا لادعائكم بأنكم رسل الله تبلغون عنه ) . إنها نفس الذريعة التي ينقلها القرآن مرارا على لسان منكري النبوات ورسالات الله ومكذبي الرسل ، من الذين كانوا يتوقعون أن يكون الأنبياء دائما ملائكة ، وكأنما البشر لا يستحقون مثل هذا المقام . مثال ذلك قولهم في الآية ( 7 ) من سورة الفرقان : وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا . إن قائد البشر يجب أن يكون من صنف البشر ، كي يعرف مشاكل الإنسان واحتياجاته ويحس آلامهم ويتفاعل مع قضاياهم ، وكي يستطع أن يكون القدوة والأسوة ، لذلك يصرح القرآن في الآية ( 9 ) من سورة " الأنعام " بقوله تعالى : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا . بعد المجمل الذي بينته الآيات أعلاه ، تعود الآيات الآن - كما هو أسلوب القرآن الكريم - إلى تفصيل ما أوجز من خبر قوم عاد وثمود ، فتقول : فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة . إن هؤلاء القوم كانوا يعيشون في أرض " الأحقاف " من ( حضرموت ) جنوب الجزيرة العربية ، وكانوا يتصفون بوضع استثنائي فريد من حيث القوة الجسمانية والمالية والتمدن المادي ، فكانوا يبنون القصور الجميلة والقلاع المحكمة ، خاصة في الأماكن المرتفعة حيث يرمز ذلك إلى قدرتهم ويكون وسيلة لاستعلائهم . لقد كانوا رجالا مقاتلين أشداء ، فأصيبوا بالغرور بسبب قدراتهم الظاهرية ومجدهم المادي ، حتى ظنوا أنهم أفضل من الجميع ، وأن قوتهم لا تقهر ، ولذلك قاموا بتكذيب الرسل والإنكار عليهم ، وتكالبوا على نبيهم " هود " .